غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
200
تاريخ مختصر الدول
السلطان محمد عظيم الهيبة عادلا حسن السيرة شجاعا [ 1 ] . وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة سادس عشر ربيع الآخر توفي الإمام المستظهر باللَّه وكان عمره إحدى وأربعين [ 2 ] سنة وستة أشهر وخلافته أربعا وعشرين سنة . ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان والسلطان بركيارق والسلطان محمد ابنا ملكشاه . قال أبو الصلت أميّة المغربي : لما دخلت إلى مصر في حدود سنة عشر وخمسمائة أدركت بها طبيبا انطاكيا يسمّى جرجيس ويلقّب بالفيلسوف على نحو ما قيل للغراب أبو البيضاء وللَّديغ سليم . وقد تفرّغ للتولَّع بأبي الخير سلامة بن رحمون اليهودي الطبيب المصري والإزراء عليه وكان يزوّر فصولا طبيّة وفلسفية يبرزها في معارض ألفاظ القوم وهي محال لا معنى لها فارغة لا فائدة فيها ثم ينفذها إلى من يسأله عن معانيها ويستوضحه أغراضها فيتكلم عليها ويشرحها بزعمه دون تيقظ ولا تحفظ باسترسال واستعجال وقلَّة اكتراث وإهمال فيوجد فيها عنه ما يضحك منه . ( قال ) وأنشدت لجرجيس هذا في أبي الخير سلامة بن رحمون وهو من أحسن ما سمعت في هجو طبيب مشؤوم : ان أبا الخير على جهله * يخفّ في كفّته الفاضل عليله المسكين من شؤمه * في بحر هلك ما له ساحل ثلاثة تدخل في دفعة * طلعته والنعش والغاسل ( قال ) وكان أبو الخير هذا يهوديا مصريا قد نصب نفسه لتدريس كتب المنطق جميعها وجميع كتب الفلسفة الطبيعية والإلهية وشرح بزعمه وفسّر ولخّص ولم يكن في تحصيله وتحقيقه هنالك بل كان يكثر كلامه فيضلّ . ويسرع جوابه فيزلّ . وكان مثله في عظيم ادعائه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقول الشاعر : يشمّر للج عن ساقه * ويغمره الموج في الساحل ( قال ) ورأيت بمصر أيضا رزق الله المنجم المعروف بالنخاس [ 3 ] وكان شيخ أكثر المنجمين بمصر وكبيرهم وكان شيخا مطبوعا متطايبا . ومن حكاياته الظريفة عن نفسه
--> [ 1 ] - كان عمره سبعا ( وروى أبو الفداء ستا ) وثلاثين سنة وأربعة أشهر . وأول ما دعي له بالسلطنة ببغداد سنة اثنتين وتسعين وقطعت خطبته عدة دفعات . فلما توفي أخوه بركيارق اجتمع الناس عليه اثنتي عشرة سنة . [ 2 ] - س خمسا وعشرين سنة وخمسة أشهر . [ 3 ] - بالنخاس ر بالنخاس .